محمد بن جرير الطبري
12
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
وما جاءت به من عند الله من الكتب ، ويؤدي فرائضه ، ويجتنب معاصيه ، فذلك كمال إحسان المحسنين الذين قال الله تعالى : جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها . القول في تأويل قوله تعالى : * ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم ) * . يقول تعالى ذكره : وأما الذين جحدوا توحيد الله ، وأنكروا نبوة محمد ( ص ) ، وكذبوا بآيات كتابه ، فإن أولئك أصحاب الجحيم ، يقول : هم سكانها واللابثون فيها . والجحيم : ما اشتد من النار ، وهو الجاحم والجحيم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) * . يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله ، وأقروا بما جاءهم به نبيهم ( ص ) أنه حق من عند الله لا تحرموا طيبات ما أحل لكم يعني بالطيبات : اللذيذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب ، فتمنعوها إياها ، كالذي فعله القسيسون والرهبان ، فحرموا على أنفسهم النساء والمطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة ، وحبس في الصوامع بعضهم أنفسهم ، وساح في الأرض بعضهم . يقول تعالى ذكره : فلا تفعلوا أيها المؤمنون كما فعل أولئك ، ولا تعتدوا حد الله الذي حد لكم فيما أحل لكم وفيما حرم عليكم فتجاوزوا حده الذي حده ، فتخالفوا بذلك طاعته ، فإن الله لا يحب من اعتدى حده الذي حده لخلقه فيما أحل لهم وحرم عليهم . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 9625 - حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس ، قال : ثنا عبثر أبو زبيد ، قال : ثنا حصين ، عن أبي مالك في هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم . . . الآية ، قال : عثمان بن مظعون وأناس من المسلمين حرموا عليهم النساء ، وامتنعوا من الطعام الطيب ، وأراد بعضهم أن يقطع ذكره ، فنزت هذه الآية . 9626 - حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثني خالد الحذاء ، عن عكرمة ، قال : كان أناس من أصحاب النبي ( ص ) هموا بالخصاء وترك اللحم والنساء ،